محمد جواد مغنية
57
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
ينصرف عن الوجوب إلى الاذن والرخصة بالفعل والترك ؟ وهذا النزاع لا يشمل القائلين بأن الأمر لا يدل على الوجوب ، لأن الاذن بالترك لا ينفصل عن الأمر إطلاقا - كما هو الفرض - تقدم عليه نهي ، أم لم يتقدم . وفيما يلي نحرر النزاع بين القائلين بدلالة الأمر على الوجوب بكلام أكثر وأوضح . ورد في النصوص الشرعية نهي بعده أمر ، والمأمور به - عين المنهي عنه . من ذلك - على سبيل التمثيل - ما رواه مسلم في صحيحه : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » فصيغة افعل وهي هنا « زوروها » تدل على الوجوب إذا كانت غير مسبوقة بنهي فهل هي أيضا تدل عليه إذا سبقت به بحيث يصبح الحرام واجبا ، أو ان صيغة الأمر تنصرف عن الوجوب ، في مثل هذه الحال ، إلى الرخصة والتخيير بين الفعل والترك بحيث يصير المنهي عنه جائزا لا واجبا ؟ . قيل ببقاء دلالة الأمر على ما هي ، وذلك بأننا نعلم يقينا ان الأمر يدل على الوجوب في حال عدم تقدم النهي ، وبعد تقدمه شككنا هل هذا النهي صرف الأمر عن ظاهره إلى الرخصة ، أم بقي هذا الظاهر كما كان وان وجود النهي وعدمه سواء ؟ وبديهي ان الأصل في مثل هذه الحال يوجب بقاء ما كان على ما كان ، لأن اليقين لا ينقض بالشك . وقيل بالتوقف عن الحكم سلبا وايجابا ، لأن الأمر هنا مردد بين الرخصة والوجوب ، ولا حكم مع الشك والتردد . وذهب الأكثر - كما قيل - إلى الرخصة ورفع الحجر ، لأن الغالب في عرف الشارع أن يستعمل الأمر بعد الحظر لمجرد الإذن ورفع الحجر ، واستشهدوا على ذلك بالعديد من الآيات ، منها قوله تعالى : « فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ » بعد قوله : « فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ - 10 الجمعة » . وقوله سبحانه بعد المنع عن الصيد : « وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا - 2 المائدة » . وقوله : « فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ » بعد قوله : « وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ - 222 البقرة » . . إلى غير ذلك كثير . وهذه الكثرة في الاستعمال قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الرخصة ورفع الحجر . وكررنا القول فيما تقدم : إن مجرد الاستعمال لا يغني شيئا في باب الحقيقة ، بالإضافة إلى أن هذه الآيات خارجة عن موضوع البحث من الأساس ، أما الآية الأولى فلأن البيع حلال بطبعه كما في الآية 275 من سورة البقرة « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »